اليوم أسوأ يوم في حياتي
وها أنذا أسجل أبشع معالم الحرية الغربية المزعومة..
فقد انتزعت منا المحكمة اليوم (باسم الحرية والديمقراطية) عمر، وهو ابننا الحبيب، وبضعة منا، ويحمل دماءنا ومورثاتنا، لتودعه في أحضان شخصين أمريكيين لم يعرفاه من قبل: السيد فريدز وزوجته، ليصبح عمر ابناً لهما بالتبني..
بدأت القصة حين قدمنا إلى المنزل ذات مساء، فوجدنا عمر يجلس في الصالون، وإلى جانبه صديقته الشقراء، وكانت تتكئ على صدره العاري، وكان عمر يقبلها ويمسح على شعرها بيد، ويمسك بيده الأخرى كأساً من الخمر..
لم يستطع أمجد أن يتحمل الموقف، فقد هاله أن يرى ابنه لا يقيم وزناً لحرمة المنزل ولا لهيبة الأسرة ولا لقدسية التعاليم الدينية، فارتفعت يده في الهواء تصفع عمر صفعة قوية، أوقعت كأس الخمر من يده..
لم يكن أمجد يبتغي أكثر من إيقاظ عمر، فقد كان يأمل أن ترده تلك الصفعة إلى رشده ودينه، وكان يظن أن الحزم والزجر سوف يعيدان إليه صوابه الذي ابتلعته أمريكا بأجوائها المحمومة..
تلقى عمر الصفعة بسكون وصمت، الأمر الذي جعلنا نظن أنه فهم الرسالة التي تحملها في طياتها، ولكن الحقيقة لم تكن كذلك، فبعد لحظات فقط اتجه عمر إلى الهاتف، واتصل بالشرطة، وأخبرهم بأن والده يعتدي عليه بالضرب، وطلب منهم النجدة..
في بداية الأمر ظننا أنها مزحة ثقيلة من عمر، أراد بها أن يمتص الموقف المحرج أمام صديقته، أو أنه تصرف طفولي ليس إلا..
وعندما سمعنا صوت صافرة سيارة شرطة تقترب من منزلنا، ونظرنا من النافذة فرأيناها تتوقف بجانب المنزل، فيترجل منها شرطيان، ويتوجها نحو منزلنا، أدركنا أنها لم تكن مزحة، وبعد دقائق فقط اقتيد أمجد وعمر، وبعبارة أخرى الجاني والمجني عليه، إلى قسم الشرطة..
لحقت بهما إلى هناك، فرأيت عمر يشتكي للشرطة ضرب أبيه له.. لم أصدق أن هذا هو ابني عمر، فقد كانت ملامحه متبلدة ومشاعره متجمدة، وأحسست به كأن عينيه من نحاس ووجهه من حجر..
كان أمجد يقف أمام الشرطي عاجزاً عن الكلام، فقد سرقت منه المفاجأة الصادمة كل قدرة على التعبير..
لم أجد أمامي بداً من الدفاع عن أمجد، فصحت بالشرطي بلهجة حانقة:
- إنه أبوه.. ألا يحق للأب أن يربي ابنه! لماذا تتدخلون في شؤوننا الأسرية!!
ثم توجهت صوب عمر، وقلت له باستعطاف:
- أخبرهم يا عمر أنه أبوك، وأنه يحبك، وأنه لم يضربك إلا بسبب خوفه عليك من الانجرار فيما لا تحمد عقباه..
أجابني الشرطي بتهكم:
- ألا تعرفين يا مدام أن ضرب الآباء لأبنائهم ممنوع مهما كانت الأسباب، وأنه يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون؟
انتفض أمجد في مكانه، وكأن مقولة الشرطي هذه أيقظته من دهشته وذهوله، فنظر إلى ابننا عمر نظرات حاول أن يشحنها بكل ما يمتلكه من عواطف جياشة، ثم تمتم بصوت متهدج:
- أظن أن ابني عمر سيسقط ادعاءه، ولن يدع أباه يزج في قفص الاتهام، ليحاكم كما يحاكم المجرمون..
هز عمر كتفيه بازدراء، وهو ينظر إلى أبيه بقسوة وحقد، ثم ردد دون تلكؤ أو خجل:
- لا لن أسقط الدعوى، وأنا جاد فيما أقوله، وليكن هذا عبرة لكل أب تسول له نفسه أن يضرب ولده أو يسيء معاملته..
لم أصدق ما سمعته بأذني، فهتفت باستنكار:
- ولكنه أبوك يا عمر.. أبوك..
قاطعني بلؤم:
- كان عليه أن يتذكر ذلك قبل أن يضربني.. أما الآن فلا فائدة من الكلام..
يومها رجعنا أنا وأمجد إلى البيت ونحن نشعر بالغضب واليأس والألم والحنق والأسى، أما عمر فقد تم الاحتفاظ به في مكان بعيد عنا، ريثما تتم المحاكمة ويصدر الحكم، لأنهم حسب قولهم يخشون أن نلحق به الأذى..
لم أستطع النوم في ذلك اليوم المشؤوم.. أفكار عديدة مقيتة استولت على ذهني المصدوم..
تذكرت ما أخبرني به عمر في الأيام الأولى من قدومنا إلى أمريكا:
- تصوري يا ماما.. الأساتذة في المدرسة يلقنوننا أرقام الشرطة، ويخبروننا أن علينا الاتصال بهم إذا تم ضربنا من قبل أمهاتنا أو آبائنا!!
عندها عقبت نوران قائلة: